::القوات الحكومية تسيطر جزئياً على جبل "مرثد" الاستراتيجي شرقي اليمن       ::وصول سفينة اماراتية لميناء المكلا تحمل 15 حافلة مدرسية        ::قوات الجيش تستعيد السيطرة على "بيت صبيح" بمديرية عسيلان بشبوة       ::القناة الأولى الإسرائيلية: محادثات "غير مباشرة" مع حماس حول تبادل الأسرى     

 

بأقلامهم

(الوحدة) .. بين ظالمٍ جائر .. ومظلومٍ منتقم !!

كتب : عادل باحميد * 21/05/2017 06:54:44

 

لا زالت صورة الطابور الصباحي في مدارسنا على مدى عقودٍ من الزمان حاضرةً في الذاكرة ونحن نردد عالياً ثلاثاً (لنناضل من أجل الدفاع عن الثورة اليمنية وتنفيذ الخطّة الخمسية وتحقيق الوحدة اليمنية) .. وبعد أن تحققت تلك الوحدة التي بحّت بمناداتها أصواتُنا الطفولية كل صباح .. وجدنا أنفسنا أمام من يقول لنا لستم بيمنيين ولا للوحدة اليمنية !! .. والكارثة ليست هنا، بل في أنّ من يقول لنا ذلك الآن وبكل تعصّبٍ وشدّة هو نفسه من كان يرغمنا على ترديد تلك الهتافات لعقودٍ وعقود !!! وهو نفسه من ساقنا يوماً ودون استفتاءٍ للإرادة الشعبيّة إلى الوحدة التي يطالبنا اليوم بتقويضها.

 

وبعيداً عن كل تلك المقدمة للانتهازية السياسية، تحققت (الوحدة) وفرح بتحقيقها الشعبُ كل الشعب شمالاً وجنوباً في حينها، وتعاظمت الآمال وكبر الطموح في قدومِ عهدٍ من الانعتاق من الماضي للانطلاق نحو المستقبل، بعد عقودٍ من الضيم والقهر والتحجّر، كانت الوحدة حينها طوق النجاة في المقام الأول لمن هرولَ إليها دون حساب بعد تداعي المنظومة الشيوعية الداعمة له في عقرِ دارها، وكانت ايضاً بصيص النور لشعبٍ يرى من حوله شعوباً اقلّ منه ثروةً وقدرة تنهض وتسابق الزمن وهو لا يزال قابعاً في طوابير التموين والتعاونيات ويهلل لليوم الذي يرى فيه علبة المانجو أو السردين.

 

غير أن الوحدة التي طال انتظارها حينما جاءت لم تكن على حسب معناها الجميل في قواميس اللغة ومعاجمها، لم تكن على حسب ما رُسم لها في مخيّلات الكبار والصغار، لم تكن ذلك المعنى الإيجابي للتوحّد والتكاتف والتعاون للنهوض والانطلاق معاً، لم تكن بجمعِ أفضل ما في النظامين والدولتين والشعبين قبل الوحدة والتخلّص من اسوء ما فيهما، لم تكن شراكةً بل كانت احتواء، لم تكن إثراءً بل شطباً وإلغاء، لم تكن توحّداً وتكاملاً بل ضمّاً وإلحاق.

 

وبعد تحقيقها سرعان ما وقعت (الوحدة) التي طُبخت على نارٍ مستعجلة فريسةً في مصيدةِ النّهم السياسي والطمع الشخصي، أصبحت ومعها كل المؤمنين بها ضحيةً لنظامٍ حاكمٍ هجينٍ فريد جمع بين المقامرة السياسيّة والقبليّة المتخلّفة والعسكرية المتفرعنة والشوفينية الشخصية، دخلت ومنذ سنواتها الأولى في ثقبٍ أسود ابتلعها وابتلع معها كل أحلام الوطن والمواطن الباحث عن شيءٍ من نهوض وكرامة، بل ابتلع حتى معناها ومغزاها الجميل، سلبها كل شيء فما عاد ذكرها على اللسان جميل، نعم تذوقنا بعدها شيئاً من نسائم الحريّة وانطلقت الناس تسعى خلف أرزاقها وتجارتها وحياتها وأصبحت حرّة طليقة في تنقّلها وتملّكها، غير أنها في كثيرٍ من جوانبها أصبحت كالبوابة التي دخل علينا منها كلّ سوء، لم نكن نعرف الرشوة قبلها ولا المحسوبية ولا القات ولا نهب المال العام وبفتاوى دينية لم نعرف التفسّخ الإداري والفساد المشرعن، لم نكن نعرف منهجية إفراغ المصطلحات من معانيها الأصيلة، فجاءت الديمقراطية ولكن على طريقتهم، واللامركزيّة ولكن بأسلوبهم، والشفافيّة وحقوق الانسان ومكافحة الفساد وكل المصطلحات التي كانت أحلاماً تحقّقت ولكن لتغدو كوابيسَ مزعجة في واقعنا وحياتنا.

 

حينها صاحُ المظلومُ الذي فقد دولته ومؤسساته وجيشَه وثروتَه بل ومستقبله، ورفع الصوتَ بمظلوميته، فلم يستمع له أحد، وللأسف فقد تلقّف الصراخَ والمظلومية من كان سبباً في نكبته لعقودٍ وعقود، من كان سبباً في كل مآسيه ومن ورّطه في هذه الوحدة المسلوقة على عجل، واستطاع بكل ما أوتي من خبث السياسة والتآمر الذي تربّى عليه ومارسه لعقود استغلال كل ذلك القدر من الظلم والقهر والمعاناة ليوجهه ليس إلى أساس الداء والجرم الحقيقي، بل صوّب كلّ السهام دفعةً واحدة نحو (الوحدة) بذاتها ومعناها، ولا شيء غيرها، حمّلها كل المسؤولية ووجّه إليها خطاب الكراهية والشحن الأعمى، وصوّر للمواطن الجنوبي المنهك المتعب المكلوم أنّ (الوحدة) عدوه الوحيد الأوحد وليس الحاكم الظالم الجائر الذي اعتدى عليه وعليها، ليس الظالم الذي هو من سلّمه الجنوب على طبقٍ من ذهب، حشد كل ما استطاع من مغالطات ودغدغة للعواطف وبيعٍ للوهم ليحصر العداء للمواطن الجنوبي مع (الوحدة) ومع (الهويّة اليمنية) فقط وليس مع شريكه الذي ابتلعه وابتلع (جمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية)، ثم نقل حالة العداء لتشمل شعباً بأكمله وأذكى العصبية المناطقية العنصرية، بل ومارس كل صنوف الإرهاب الفكري ضد كل من يخالف أو حتى يناقش الموضوع أو يمتلك وجهة نظرٍ مغايرة، فقوائم الاتهامات من تخوين وعمالة وإرهاب وغيرها جاهزة، بل وصوّر للمظلومين التوّاقين للانعتاق والكرامة أن المخرج الوحيد هو (الانفصال) لتعود الدولة التي كانت، وبالتأكيد ليعود سيّداً حاكماً عليها. وهنا بيت القصيد، هنا الانتهازية السياسية والمقامرة بجروح هذا الشعب الغائرة حينما تم تحويل الانفصال إلى غاية وليس وسيلة للحرية والكرامة، صارت الناس ولقوة ماكينات الشحن الهادرة ليل نهار تريد الانفصال ولو ذهبت بعد ذلك على الجحيم.

 

لقد وقعت (الوحدة) بمفهومها الحقيقي الجميل ضحيّة بين ظالمٍ جائر حرفها عن مسارها وشوّه جمالها حتى أصبحت وبالاً ومأساة، وبين مظلومٍ صاحب حق تاجر المقامرون والمغامرون بقضيّته العادلة حتى صار منتقماً منها منصرفاً عن غريمه الحقيقي، لذا فالقناعة لديّ أصبحت قويّة راسخة أن استمرار الوحدة كما هي لم يعد خياراً لمن يؤمنون بها فقد طالها ما لا يمكن إصلاحه، كما أن الانفصال والقفز في الهواء سيدخلنا في سنواتٍ أخرى من التيه والضياع لا سيما أنّ المتصدّرين له هم نفس القافزين الذين عبثوا بماضينا وحاضرنا ويريدون المقامرة اليوم أيضاً بمستقبلنا، وأصبح الواجب اليوم هو البحث عن صيغةٍ للمستقبل تتعايش فيها الناس بما يحفظ حقوقهم ويصون كرامتهم ويفتح لهم بوابات التنمية والبناء والنهوض، البقاء على ما نحن عليه سيكون كارثيّاً، والعودة للماضي ستكون أكثر كارثيّة، لذا وفي تصوّري أنّ مخرجات الحوار الوطني وما طرحته من صيغةٍ سياسية جديدة للدولة الاتحادية بالنظام الفيدرالي تشكّل قاعدةً جديدة وجيّدة يمكن البناء عليها لتأسيس عقدٍ لعهد جديد يستحق ان يُعطى فرصةً ليصبح واقعاً ننعم فيه جميعاً وأجيالنا القادمة بالسلام والمحبّة والوئام، علّ أجيالنا القادمة تقفُ في طابورها الصباحي لتردد بكل شموخٍ (عاش اليمن الاتحادي الجديد).

 

كل عام وأنتم بخير .. كل عام والصامدين على الجبهات في خير .. وكل عام والوطن الحبيب بخير وفي عزّةٍ ورفعةٍ وتمكين ..

*سفير اليمن في ماليزيا

 

لا تذهب وتتركنا نسعد بإعجابك بصفحتنا على الفيس بوك ... إضغط هنا



التعليقات