::اللجنة مواجهة كورونا تعلن تسجيل ست وفيات و28 إصابة جديدة و35 حالة شفاء       ::ورشة عمل بسيئون حول العقوبات والتدابير البديلة لعقوبة الحبس       ::زيارة خاطفة لرئيس الحكومة إلى المكلا التقى خلالها المحافظ البحسني للاطلاع على الأوضاع الخدمية والأمنية      

 

أخبار محلية

السفر في اليمن... رحلات عذاب ومغامرات محفوفة بالمخاطر

كتب : العربي الجديد - زكريا الكمالي 14/09/2021 19:41:53


لم يعد السفر بين مدن اليمن مجرد نزهة تستغرق ساعات معدودة. فمنذ أن خلقت الحرب المتصاعدة منذ 7 سنوات جغرافية جديدة، بات التنقل مغامرة محفوفة المخاطر لا يجسر أحد على التفكير بها إلا في حال الضرورة القصوى.

 

في 10 سبتمبر/ أيلول الجاري، كشفت حادثة قتل الشاب عبد الملك السنباني حجم المخاطر التي يتعرض لها المسافرون براً، والمصير المجهول الذي ينتظرهم عند حواجز التفتيش التابعة لأطراف النزاع، التي تستطيع إلصاق تُهم جاهزة كفيلة بمصادرة أرواحهم. وخطف عناصر وحدة عسكرية تابعة للمجلس الانتقالي الجنوبي المدعوم من الإمارات السنباني عند نقطة تفتيش بمنطقة طور الباحة بمحافظة لحج، أثناء انتقاله من مطار عدن إلى العاصمة صنعاء، التي قصدها للقاء أسرته بعدما أمضى 7 سنوات مغترباً في الولايات المتحدة الأميركية.

واتهم مسؤولو الحاجز السنباني بأنه موالٍ للحوثيين، ثم خرج بعد يومين من التحقيق معه في معتقل اللواء التاسع صاعقة جثة هامدة إثر تعرضه لتعذيب وطلق ناري. وبعد ضغط شعبي واسع وحملات على مواقع التواصل الاجتماعي، أقرّ المجلس الانتقالي بالواقعة، وأعلن أنه شكّل لجنة تحقيق في ملابسات الحادثة، وأحال أفراد نقطة التفتيش على النيابة العامة العسكرية. وعلّق الصحافي سامي الكاف: "إذا استطاع الناس تحويل مأساة السنباني إلى قضية رأي عام، فهي بداية حقيقية لتشكيل وعي إنساني جماعي قد يُمهّد للسير نحو رفض كل العبث اللاإنساني الذي يُطبق على أنفاس اليمنيين".

 

حواجز تفتيش
فعلياً، قطّعت الحرب أوصال اليمن بين جماعات مسلحة متفرقة، وأغلقت الطرق الدولية بين المدن الرئيسة، وأوقفت الرحلات الجوية الداخلية التي كانت تنقل المسافرين بين المدن خلال أقل من ساعة من الزمن، بعدما باتت المطارات خارج الخدمة إثر تدميرها كلياً أو جزئياً. في رحلات الطرق المستحدثة البديلة، بات المسافرون يحتاجون إلى نصف يوم على الأقل للتوجه من مدينة إلى أخرى، خصوصاً من الشمال إلى الجنوب. وهم يستقلون مركبات دفع رباعي تستطيع عبور صخور توجد في مجاري السيول باتت ركيزة الطرق البديلة إثر تدمير الجسور الرئيسية، أو تسلق جبال وعبور مناطق ريفية تحوّلت إلى شريان رئيسي للتنقل، كما الحال في مدينة تعز. يحتاج الانتقال براً من صنعاء إلى عدن أو تعز جنوب اليمن إلى 10 ساعات على الأقل، بزيادة 5 ساعات عن الزمن الاعتيادي الذي كان يقطعه المسافرون قبل الحرب.

يقول محمد الدبعي، وهو موظف بالقطاع الخاص في صنعاء، لـ"العربي الجديد": "زرت أسرتي في تعز خلال عيد الأضحى الماضي، بعدما قمت برحلة امتدت أكثر من 10 ساعات، وتنقلت فيها عبر مركبات مختلفة". يضيف: "إلى جانب المشقات والمخاطر الناتجة من رداءة الطرق من صنعاء إلى تعز، يتعرض المسافرون إلى ضغوط نفسية كبيرة خلال توقفهم عند حواجز تفتيش تتبع لطرفي النزاع، والتي تطرح أسئلة حول هويتهم والوجهة التي يقصدونها وسبب الزيارة. وقد يعتقل بعضهم بسبب انتمائهم إلى مناطق جغرافية معينة أو بسبب الاشتباه في انتمائهم السياسي، والذي قد يستند إلى بلاغات ووشايات من أشخاص يتهمونهم بالعمل مع طرف ضد آخر".

تنبؤات الأمطار

ومن صنعاء إلى عدن، يضطر المسافرون إلى السفر إلى تعز، والتوجه منها عبر ممرات سيول في حيفان نحو محافظة لحج وصولاً إلى عدن، علماً أن الطرق السابقة كانت تمر مباشرة عبر محافظتي إب والضالع.

ومن تعز إلى عدن، يمضي المسافرون 9 ساعات في عبور طرق بديلة من مدينة التربة ومنحدر هيجة العبد الخطير، وصولاً إلى بلدات في محافظة لحج، وذلك بزيادة 7 ساعات عن الزمن الذي كان يحتاجه المسافر براً عبر طرق مؤدية إلى الراهدة وكرش بلحج.

وتشق مركبات نقل المسافرين طريقها وسط مجرى السيول في منطقة المقاطرة التابعة إدارياً لمحافظة لحج. وفي موسم هطول الأمطار، يتحوّل السفر إلى مجازفة كبيرة، خصوصاً في فترات ما بعد الظهر التي تتساقط فيها الأمطار غالباً.

ويخبر هاني العزعزي، وهو سائق سيارة أجرة، "العربي الجديد"، أن "سيول الأمطار القادمة من مرتفعات المقاطرة الشاهقة سبق أن جرفت عدداً من السيارات هذه السنة. وحتى بعد توقف الأمطار، تقطع السيول الطريق بسبب انهيار صخور ضخمة من جبال مجاورة". يتابع: "يحتاج عبور السيارة طريق المقاطرة بين 45 دقيقة وساعة كاملة، علماً أنه لا يمكن أن يتنبأ السائق بما يحصل أمامه على صعيد هطول الأمطار أو قدوم السيول من مناطق أخرى تساقطت فيها أمطار، ما قد يوقعه في فخ. ونحن نغامر فعلياً، لكننا لا نملك خيارات سلوك طرق أخرى بسبب حصار الحوثيين".

 

"حُفَر" الحوادث

وإلى جانب المنحدرات الخطرة ومجاري السيول، تكثر الحُفَر في شبكة طرق الأسفلت التي لم تخضع لأي صيانة منذ بداية الحرب في غالبية المدن، وباتت بالتالي سبباً رئيساً في حصول حوادث مرور أدت إلى عشرات الوفيات وإصابة عشرات المواطنين بإعاقات. وتكشف إحصاءات رسمية حصلت عليها "العربي الجديد" أن حوادث المرور قتلت أكثر من 17 ألف شخص خلال عام 2020، غالبيتهم في مناطق تخضع للحوثيين شمالي البلاد وغربيها. وتعتبر طريق الصبيحة التي تربط بين تعز وعدن، وطريق العبر بين مأرب وحضرموت، الأكثر خطورة على المسافرين. وقد حدثت عشرات الحوادث على طريق الصبيحة تحديداً بسبب محاولة تحاشي الوقوع في حفر كبيرة وسط الطرق. ومع السرعة الزائدة قد تنقلب المركبة أو تصطدم بأخرى. وفي منتصف العام الجاري، شهدت طريق الصبيحة حادثاً مأساوياً أسفر عن مصرع 11 راكباً حرقاً، بعدما اشتعلت النيران في باصات نقل متوسطة الحجم تصادمت مع مركبات أخرى، لدى محاولتها تفادي عبور حفرة كبيرة وسط الطريق السريع. كما شهدت منطقة العبر بحضرموت عشرات الحوادث المشابهة.

 

انتهاكات إنسانية

 

وبخلاف المخاطر الكبيرة الناجمة عن سوء حال الطرق والاضطرار إلى عبور مجاري السيول والمنحدرات الشاهقة، يقع المسافرون بين المدن اليمنية ضحية لانتهاكات إنسانية واسعة، يرتكبها عناصر كمّ هائل من حواجز التفتيش التابعة لفصائل مختلفة. ويمعن غالبية أفراد هذه الحواجز في إهانة كرامة العابرين، عبر توجيه إساءات لفظية لهم تستند إلى المناطق التي يأتون منها، خصوصاً الأشخاص القادمين من صنعاء إلى عدن وسيئون، أو من تعز إلى عدن أو المكلا. وتحدث مسافرون من مدن يمنية مختلفة لـ"العربي الجديد" عن أن طرق هذه المدن تشهد إجراءات تعسفية وانتهاكات للمسافرين عند نقاط تابعة للحوثيين أو للمجلس الانتقالي الجنوبي الذي تدعمه الإمارات، أو من القوات الحكومية. في الطريق من تعز إلى عدن، يقف المسافر أمام أكثر من 20 نقطة عسكرية، تتبع بعضها القوات الحكومية وأخرى المجلس الانتقالي. وفي الطريق بين عدن والمكلا، تنتشر أكثر من 30 نقطة عسكرية. ويخضع المسافرون لمزاج الجنود على حاجز التفتيش، حيث يجرى تفتيشهم بشكل دقيق، وفحص هويات سفرهم، لكن لا يستبعد أيضاً عبورهم بسلام أحياناً أخرى.

ورغم أن غالبية نقاط التفتيش شكلية وتبحث عن جبايات ومقابل مادي فقط، تنتشر حواجز تفتيش عند مداخل عدن، وتوجد عند نقطة الرباط للقادمين من تعز ونقطة العلم للقادمين من أبين ومأرب والمكلا، وكلاهما منطقتان رئيسيتان لانتهاكات قوات المجلس الانتقالي. كما توجد القوات الحكومية عند نقطة الفلج التابعة لها في مأرب، ونقطتي نقيل الإبل وحيفان التابعة للحوثيين.


يقول محمد الحداد، أحد سكان مدينة العلم، لـ"العربي الجديد": "تعرضت إلى إهانات عنصرية بسبب حملي وثائق شخصية تشير إلى أنني أتحدر من تعز". من جهته، أراد محمد، القادم من مطار سيئون، تحاشي المرور عبر مأرب خشية مواجهة اشتباكات عسكرية والتعرض لأي ممارسات تعسفية عند نقطة أمنية تابعة للقوات الحكومية في منطقة الفلج، لكنه وقع ضحية إجراءات تعسفية أكبر حتمت مكوثه ساعة ونصف الساعة عند الحاجز، وتفتيش هاتفه الخلوي من عناصر المجلس الانتقالي بحثاً عن آراء مناهضة لهم أرادوا استخدامها ذريعة لاعتقاله".


لا تذهب وتتركنا نسعد بإعجابك بصفحتنا على الفيس بوك ... إضغط هنا