::التوقيع على بدء مشروع تعشيب ملعب نادي البرق بتريم       ::محافظ البنك المركزي يعلن عن دعم كبير من السعودية ودول الخليج لتعزيز العملة المحلية        ::هنية: لدينا 4 أسرى وسنجبر إسرائيل على صفقة تبادل وهذه محددات علاقتنا بإيران     

 

رياضة

نهاية التسلل بطرف الحذاء.. كيف سيغير أرسين فينغر كرة القدم؟

كتب : حضارم نت ـ الجزيرة 31/12/2021 19:02:00


في الأول من إبريل/نيسان عام 2011، نشرت صحيفة "ذا صن" (The Sun) الإنجليزية خبرا يقول إن بعض حدائق الحيوان في بريطانيا والولايات المتحدة الأميركية بدأت تُدرِّب الغوريلات على استخدام الحواسيب اللوحية "iPads" في محاولة لإبقائها سعيدة واختبار انتباهها وسرعة بديهتها. (1)

طبعا أنت لم تتوقع أن تكون تلك هي كذبة إبريل. في الواقع، قلة فقط من قُرَّاء الجريدة توقعوا الأمر، ربما لأن الكذبة لم تكن عسيرة التصديق لهذه الدرجة، وهذا هو الشرط الأساسي في أي كذبة ناجحة؛ أن تداعب الخط الفاصل بين الحقيقة والخيال.

السبب الأهم لتصديق الكثيرين خبر الصحيفة كان حقيقة أن العالم كان على بُعد بضعة أشهر فقط من تحوُّل هذه الكذبة إلى حقيقة، ففي سبتمبر/أيلول من العام ذاته، كانت حديقة حيوان بلدية ميلواكي في ويسكونسن قد شرعت في هذه التجربة بالفعل؛ حين بدأ مسؤولو الحديقة في اختبار قدرات بعض فصائل القرود، مثل أورانغ أوتان، على التعامل مع الحواسيب اللوحية، وتحديدا استخدام برنامج "سكايب" (Skype) في التواصل مع باقي القرود في الحديقة (2)، ثم أطلقوا على هذه المبادرة اسما يلعب على الجناس اللفظي بين لفظة قردة واختصار لفظة تطبيقات هو "Apps for Apes".

التكنولوجيا الغبية

الآن حاوِل أن تتخيل شعور محرر خبر "ذا صن" عندما علم بالأمر بعد أشهر قليلة فقط. لا بد أنه قد شعر بدرجة من الغباء، ربما لأن المُزحة انقلبت عليه، وما كان يعتبره مستحيل الحدوث قد وقع بالفعل، وحقيقة، الأمر مثير للتساؤل فعلا؛ فإذا كانت هناك تجارب عمرها عقود تخبرنا أن بعض الفصائل من القرود يمكنها فهم الصور والرموز والحروف والتمييز بينها، فما الذي يمنعها من التعامل مع حاسوب لوحي؟ قراء الجريدة الذين صدقوا كذبة إبريل لم يكونوا يستحقون السخرية، بل ربما كان نظرهم أبعد من كاتب الخبر.

أمر مشابه حدث عندما ظهرت أولى اللقطات لعملية حساب التسلل باستخدام حكم الفيديو المساعد (Video Assistant Referee)، التي تُختصر عادة في "VAR"؛ لا بد أن أحدهم مزح حينها قائلا إن اللاعب الذي يرتدي حذاء مقاسه 46 مثلا سيكون مُعرَّضا للتسلل أكثر من غيره، ولا بد أننا ضحكنا على هذه المُزحة، وبعدها بشهور تبيَّن لنا أن هذا هو ما سيحدث فعلا.

هل شعرنا بالغباء لاحقا؟ ربما كان هذا ما حدث للبعض، ولكن للأغلبية، وعلى عكس محرر "ذا صن"، كانت هناك أسباب وجيهة للشعور بأن التقنية ذاتها غبية، إذ كان من المستحيل أن تُقنع أحدا أن دقة حكم الفيديو المساعد قد تصل إلى هذه الدرجة، خاصة عندما يكون الفارق بضعة سنتيمترات لا يمكن أن تُرى بالعين المجردة.

في تلك اللحظة، وقع خلط مهم ما زلنا عالقين فيه حتى اللحظة؛ إذ لم يستطع البعض التفريق بين حقيقة أن الحكام -وتحديدا حكام البريميرليغ- قد بالغوا في الأمر لدرجة غير منطقية، وهذا صحيح تماما، ومستفز فعلا، وبين حقيقة أن تلك الأخطاء والمبالغات كانت ضرورية في الوقت ذاته، ببساطة لأنها السبيل الوحيد لتطوير التقنية وتفادي عيوبها في المستقبل، بالضبط مثل أي تقنية جديدة في أي مجال آخر، فليس من المنطقي التوقع بأنها ستُقدِّم حلا نهائيا باترا قاطعا لكل المشكلات بمجرد صدورها.

ما شعر به البعض وقتها كان منطقيا، والأهم أنه كان صحيحا بالتجربة العلمية العملية، ففي أغسطس/آب 2019 مثلا، نشرت صحيفة "ديلي ميل" الإنجليزية تقريرا يوضِّح أن من المستحيل نظريا وعمليا احتساب التسلل على فوارق سنتيمترية، لسبب بسيط هو أن الأدوات التي تستخدمها التقنية، أي الكاميرات، ليست مجهزة لهذا الأمر. (3)

دقة الليزر وجيمس بوند وأشياء أخرى

النظرية هنا ليست معقدة؛ قانون اللعبة يحتم أن يُحتسب التسلل عند أول التقاء لقدم المُمرر مع الكرة، بمعنى أنه لو كان دي بروينه يحاول إطلاق بينية لمحرز مثلا، فإن الكاميرا يجب أن تقف عند أول اتصال بين قدمه والكرة وتُقرِّر حينها إن كان الجزائري متسللا أم لا. فكرة بسيطة، أليس كذلك؟

المشكلة أن الصورة التي يحدث فيها التلامس الأول بين قدم دي بروينه والكرة قد يصعب التقاطها بدقة؛ أولا لأن جودة الصورة تتأثر بالسلب كلما اقتربنا، وثانيا لأن الإطار الصحيح قد يقع بين إطارين متتاليين. المقطع المصور الذي تشاهده لأي مباراة هو مجموعة من الصور/الإطارات (Frames) المتتالية التي تشعرك بتواصل الحركة، وهذه كاميرات حقيقية كما تعلم، مختلفة عن تلك التي تظهر في أفلام جيمس بوند، حيث يمكنك تقريب الصورة إلى ما لا نهاية دون أن تفقد حِدَّتها وجودتها لمجرد أن البطل طلب ذلك.

 

 

 

 

السبب الثاني هو أن تلك الكاميرات تُصوِّر ما يحدث بسرعة 50 إطارا في الثانية الواحدة، أي إن الفارق الزمني بين كل إطار والتالي هو 0.02 ثانية، ولأن الشيطان كثيرا ما يكمن في التفاصيل، فإن هذا الفارق الضئيل كان هو ما أوحى لحكام البريميرليغ بالمبالغة الشديدة في الدقة، فما الفارق الذي يمكن أن تُشكِّله 0.02 ثانية؟ الإجابة هي "كل الفارق الممكن".

في واحدة من الحالات مثلا قرَّر حكم الفيديو أن رحيم سترلنغ كان مُتسلِّلا بمقدار 2.4 سم، وفي الحالة نفسها، كانت سرعة الجناح الإنجليزي نحو 23.4 كيلومتر/الساعة، أي إن معدل الخطأ هنا لو كان الحكم قد اختار الإطار غير الصحيح كان ليصل إلى 13 سم قطعها سترلنغ في هذه الـ 0.02 ثانية الشيطانية التي لا تبدو مهمة إطلاقا.

النتيجة هنا أن حكم الفيديو يحتسب التسلل على 2.4 سم بينما معامل الخطأ قد يكون 13 سم، بل وقد يصل إلى ما هو أكثر من ذلك بحسب سرعة ركض اللاعب والمسافة التي يتمكَّن من قطعها أثناء تلك الـ 0.02 ثانية. المعادلة فاشلة حسابيا من الأساس، والتقنية قد تكون صالحة لتمييز حالات التسلل بدقة أكبر من أعين المساعد، ولكنها قطعا ليست جاهزة لاحتساب التسللات بدقة سنتيمترية. الأمر يشبه أن تحاول معرفة الوقت بدقة دون عقرب للدقائق.

للمفارقة، هذه ليست المشكلة الوحيدة؛ محاولة التعرف على لحظة التسلل الحقيقية هي عملية بشرية تماما لا تعتمد على تقنية آلية متطورة مثل تقنية خط المرمى مثلا (Goal Line Technology) حيث هناك آلة لا تمزح تقوم بالحسابات من البداية للنهاية، المشكلة أيضا أن تلك العملية تستغرق وقتا طويلا قد يصل إلى بضع دقائق.

فينغر.. أرسين فينغر

في موسم 2020-2021 مثلا، كان إجمالي قرارات حكم الساحة التي عدَّلها حكم الفيديو المساعد نحو 61 قرارا، والرُّبع تقريبا (13 حالة) كانت أهدافا أُلغيت بداعي التسلل. الأمر ليس كارثيا بالقطع، ببساطة لأن هذه الأهداف الثلاثة عشرة ليست كلها مُعرَّضة للخطأ نفسه، ولكن إن كان هناك ما يمكن إصلاحه، فلِمَ لا؟ (4)

غالبا، كانت تلك هي اللحظة التي قرَّر فيها أرسين فينغر أن يتدخَّل، ولكي تفهم مقترح المدرب الفرنسي الأسطوري عليك أن تنظر إليه كاملا بشقَّيْه؛ الشق الأول يعتمد على استخدام تقنية حديثة بدأ العمل بها في السنوات الأخيرة اسمها تقنية "تتبع الأطراف" (Limb Tracking)، ويطلق عليها البعض اسم "Skeletal Tracking"، وهي، كما يبدو من اسمها، تُحوِّل البث التلفزيوني العادي إلى صورة رقمية يمكن للذكاء الاصطناعي قراءتها والتعرُّف على تفاصيلها، من خلال تتبُّع حركة أطراف اللاعبين وإظهارهم في صورة هياكل. (5)

يوهان هولزمولر، الخبير في تقنية كرة القدم، ألقى محاضرة في فيفا يشرح فيها كيفية عمل التقنية، إذ تعتمد على 10-12 كاميرا مثبتة في الملعب، وهذه الكاميرات تلتقط 29 معلومة من حركة اللاعب مع كل إطار. المفاجأة هنا أن هذه الكاميرات تعمل بالسرعة المعيبة الحالية نفسها، أي 50 إطارا في الثانية الواحدة، ولكن الفارق هنا أن تحويل البث إلى صورة رقمية (Digital) يسمح للذكاء الاصطناعي بملء الفراغات بين الإطارات، بمعنى أنه لو كانت يد اللاعب تتجه للأعلى بسرعة معينة في الإطار الأول، ثم تظهر في موقع ما في الإطار الثاني، فإن الذكاء الاصطناعي يمكنه توقُّع مكانها فيما بينهما.

يُطلقون عليه اسم "التسلل نصف الآلي" (Semi-Automated Offside). العملية ذاتها آلية تماما، ولكن بوصفها مرحلة انتقالية، فإن كل قرار تتخذه الآلة يعود لحكم الفيديو لتأكيده قبل إخبار حكم الساحة، وفي وجهة نظر بيير لويجي كولينا، الحكم الإيطالي الأسطوري ورئيس لجنة حكام الفيفا الحالي، فإن التقنية نجحت في تقليص الأخطاء بشكل كبير. (6)

 

 

 

هذه التقنية أيضا تتجاوز الصعوبات التي تواجه حكام الفيديو عند محاولة رسم خطوط ثلاثية الأبعاد على صورة ثنائية الأبعاد مثلما يحدث دائما، فمع التعديلات الجديدة، يصبح الذكاء الاصطناعي قادرا على صناعة نموذج مُحاكٍ للملعب في الأبعاد الثلاثة، وتلافي احتمالية الخطأ في رسم الخطوط بنسبة تقترب من 100%.

أكثر الأمور إثارة في هذا المقترح هو حقيقة أن كرة القدم قد تعود لعصر ما قبل الـ (VAR)، أي بدون توقفات طويلة ولحظات شك وانتظار، وفي الوقت ذاته، بجودة أفضل واحتمالات خطأ أقل بكثير، إذ إن كل ما سبق يُحتَسب في أجزاء من الثانية بواسطة الذكاء الاصطناعي، وبالتالي لا قلق هنا من رفع راية مبكرة أو متأخرة، حيث إن القرار سيسبق تطور الهجمة في النسبة الكاسحة من الحالات.

تكنولوجيا مقاس الحذاء

هذا كله رائع وجميل، ولكنه، للأسف، بلا فائدة كبيرة، لأننا مهما استخدمنا أدوات متطورة، ومهما تركنا القرار للآلة، فستظل معضلة طرف الحذاء اللعين قائمة طوال الوقت. هل سنظل نحتسب التسللات بمسافات مثل 2.4 سنتيمتر ولكن مع فارق وحيد هو أن الآلة هي مَن سيتخذ القرار؟

هنا يأتي الشق الثاني من مقترح فينغر، ولهذا أخبرناك بأنه غير منفصل عن الأول، إذ يقترح الفرنسي أن يُعدَّل قانون التسلل بحيث لا يُحتسب اللاعب مُتسلِّلا لو كان أي جزء من أي عضو يستطيع لمس الكرة منه -قانونا- على الخط نفسه مع المدافع لحظة الاتصال الأولى مع الكرة من المُمرر. هذه عبارة طويلة ومرهقة للغاية، لذا دعنا نُبسِّطها؛ هذا يعني أي جزء من جسم اللاعب ما عدا الذراعين، وتحديدا ساقيه وقدميه، إلا إذا كان يركض مثل شخصيات الكارتون طبعا، وحينها قد نُضيف رأسه إلى ما سبق. (7)

هذا سيمنح المهاجمين أفضلية واضحة طبعا؛ واقعيا، ستظل اللعبة قائمة على التفاصيل الدقيقة نفسها، وسيظل المدافع ينظر إلى قدم المهاجم ويُعدِّل تمركزه بناء على موقعها، ولكنه سيمنح المهاجمين عشرات السنتيمترات الإضافية التي يمكن أن تكون الفارق بين موقع أقدامهم وموقع رؤوسهم أثناء وضعية الانطلاق.

بشكل ما، يبدو هذا منطقيا؛ إذ إن التسجيل من المرتدات أصبح أكثر ندرة في السنوات الأخيرة بسبب الارتفاع في القدرات البدنية للمدافعين، وتزايد سرعتهم مع الزمن للدرجة التي جعلتهم يكافئون المهاجمين في سباقات السرعة ويستطيعون التغلُّب حتى على الفارق الذي يصنعه المهاجم في الثواني الأولى قبل استلام الكرة. فكرة مراكمة اللاعبين أمام المرمى ثم إلقاء الكرة في المساحات للجناح السريع لم تعد بفعاليتها السابقة نفسها.

الأمر ليس مثاليا 100%، ولن يكون كذلك أبدا، ولكن ما نحن متأكدون منه أن تقنيات مثل هذه تجعلنا كلنا نشعر بالغباء، ليس لأن قردة أورانغ أوتان أصبحت تستخدم الحواسيب اللوحية فعلا، ولكن لأنها تدفعنا للتساؤل عن كم البطولات والمباريات التي كانت مساراتها ستتغير لو كانت تقنيات كهذه موجودة في الماضي، وكم بطولة حصل عليها فريقنا أو حُرم منها بسبب أخطاء كتلك. هل كان الكثير منها مثل كذبة إبريل؟

 

 


لا تذهب وتتركنا نسعد بإعجابك بصفحتنا على الفيس بوك ... إضغط هنا



التعليقات